الشنقيطي

167

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض المركوبات ، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان . وقد ذكر في موضع آخر : أنه يخلق ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان بالمركوبات ، وذلك في قوله سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) [ يس : 36 ] . قوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [ 9 ] . اعلم أولا - أن قصد السبيل : هو الطريق المستقيم القاصد ، الذي لا اعوجاج فيه ، وهذا المعنى معروف في كلام العرب ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني : صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعر أفراس الصبا ورواحله وأقصرت عما تعلمين وسددت * علي سو قصد السبيل معادله وقول امرء القيس : ومن الطريقة جائر وهد * قصد السبيل ومنه ذو دخل فإذا علمت ذلك فاعلم : أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء ، وكل منهما مصداق في كتاب اللّه ، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر . الأول منهما - أن معنى وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ : أن طريق الحق التي هي قصد السبيل على اللّه ، أي موصلة إليه ، ليست حائدة ، ولا جائرة عن الوصول إليه وإلى مرضاته . وَمِنْها جائِرٌ : أي من الطريق جائر لا يصل إلى اللّه ، بل هو زائغ وحائد عن الوصول إليه . ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] ، وقوله : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) [ يس : 61 ] . ويؤيد هذا التفسير قوله بعده : وَمِنْها جائِرٌ وهذا الوجه أظهر عندي . واستظهره ابن كثير وغيره ، وهو قول مجاهد . الوجه الثاني - أن معنى الآية الكريمة : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي عليه جل وعلا أن يبين لكم طريق الحق على ألسنة رسله . ويدل لهذا الوجه قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] ، وقوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] ، وقوله : فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) [ التغابن : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات . وعلى هذا القول ، فمعنى قوله : وَمِنْها جائِرٌ غير واضح ، لأن المعنى : ومن الطريق جائر عن الحق ، وهو الذي نهاكم اللّه عن سلوكه . والجائر : المائل عن طريق الحق .